“مَقْهَى الزَّمَانِ” محاكمة جيل على طاولة واحدة

بقلم الأديب المصري: د. طارق رضوان جمعة

[مَقْهَى الزَّمَانِ _حيثُ التقى جيلُ ٢٠٢٦… بجيلِ ١٥٢٦]

المشهد: مقهى بلا سقف. طاولتان من خشب. على الأولى “يوسف ٢٨ سنة” بالموبايل، و”ليلى ٢٧ سنة” باللاب توب. وعلى الثانية “مراد ٢٤ سنة” بعمامة، و”خديجة ١٩ سنة” بإيشارب.

الفصل الأول: صدمة الأرقام

مراد ينظر ليوسف فزعاً: ثمانية وعشرون.. أعزب؟!
يوسف يضحك: آه يا عمو. حرية شخصية. لسه ببني نفسي.

خديجة تنظر لليلى: سبعٌ وعشرون.. بلا بيت؟!
ليلى تغلق اللاب: سنجل باختياري. الجواز قفص، وأنا بحب حريتي.

مراد ينفض قهوته: في بلادنا… من جاوز الخامسة والعشرين بلا زواج، أُخذ منه الربع رغماً عنه.
خديجة: ومن بلغت الثامنة عشرة بلا خطبة، سألها القاضي: لمَ تعرّضين نفسكِ للفتنة؟

يوسف مصدوم: ربع مالي؟! ليه؟!
ليلى مستنكرة: فتنة إيه؟!

مراد: ضريبة الوحدة. ليزوجوا بها فقيراً.
خديجة: ستر العفاف . قبل أن يغلق الباب.

صمت. ثقيل.

الفصل الثاني: كسر الخوف

يوسف: بس مفيش شغل.. والشقق نار.
ليلى: ومفيش راجل قد المسؤولية.. والجواز كله مشاكل.

مراد: كنا نعطي الفقير ١٥٠ دونماً مهراً، ١٠٠ جنيه قرضاً بلا ربا.
خديجة: ومن رُزقت بثلاثة؟ تُعلّمهم الدولة مجاناً.

مراد: أنتم تخافون من الفقر في الزواج… ونحن كنا نكسر الفقر بالزواج.
خديجة: أنتم تؤجلون البناء.. ونحن كنا نبني بالزواج.

يوسف يتهرب: بس الجواز بقى تجارة.
ليلى: بس في بنات خايفة تبقى أم بدري..

مراد: كنا نغلق باب الشيطان بمفتاح اسمه: بيت.
خديجة تمسك يد ليلى: وكنا نغلق باب الندم.. قبل أن يُفتح.

الفصل الثالث: الحكم

يوسف بصوت خافت: طب ولو مش عايز؟
مراد: إما أن تعمر داراً.. أو تكفل ثلاثة أيتام. لا مكان للمتفرج.

ليلى دمعة: طب انتوا كنتوا مبسوطين؟
خديجة: كنا مشغولين بعمارة الديار.. فلم نجد وقتاً للبكاء على خرابها.
خديجة: أنتم تعدّون السنين.. ونحن كنا نعدّ الأولاد.

مراد يقف هو وخديجة: أنتم تقولون: “النصيب”.
مراد وخديجة معاً: ونحن كنا نقول: “النصيب فأسٌ.. ومن لا يحفر، لا يجد الماء”.

اختفى مراد وخديجة..
وبقي يوسف وليلى وحدهما.. والموبايل مظلم، واللاب توب مغلق.

الخاتمة
“فالبناءُ تأخيرُهُ خرابٌ.. والعفافُ تأجيلُهُ عذابٌ.” ومن حرثَ النصيبَ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى