“فِقْهُ الْمَسَافَاتِ”

بقلم المُفَكِّرٌ المِصْرِيٌّ
د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة
مِرْآتِي لَا تَنْكَسِرُ بِي: أَتَعْلَمِينَ يَا مِرْآتِي… أَنَا أَقِفُ كُلَّ فَجْرٍ أَمَامَ الْمَرَايَا. وَهِيَ تَتَكَاثَرُ حَوْلِي كَالسُّيُوفِ: مِرْآةٌ تُجَمِّلُنِي… وَأُخْرَى تَفْضَحُ غُرُورِي. وَثَالِثَةٌ لَا تَرَى فِيَّ سِوَى النَّدْبِ… وَرَابِعَةٌ تَعْكِسُ عُيُونَ الْحَاسِدِينَ… كُلُّهَا تَصْرُخُ فِي وَجْهِي بِالْحَقِيقَةِ… حَقِيقَةٌ بِلَا قَلْبٍ.
إِلَّا أَنْتِ.
أَنْتِ الْمِرْآةُ الَّتِي تَتَوَضَّأُ بِالدُّمُوعِ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ… تُشِيرِينَ إِلَى عَيْبِي بِإِصْبَعٍ مِنْ حَرِيرٍ… وَتَضَعِينَ عَلَى جُرْحِي قُبْلَةَ اعْتِذَارٍ قَبْلَ أَنْ تُطَهِّرِيهِ.
إِذَا رَأَيْتِ انْكِسَارِي سَتَرْتِهِ بِرِدَاءٍ مِنْ دُعَاءٍ… وَإِذَا أَبْصَرْتِ تَوَهُّجِي سَجَدْتِ شُكْرًا لِلَّهِ كَأَنَّهُ تَوَهُّجُكِ.
آهِ يَا مِرْآتِي… مَا بَيْنَنَا لَيْسَ ذَنْبًا نَرْتَكِبُهُ… بَلْ قَدَرٌ كُتِبَ بِحِبْرٍ لَيْسَ لَنَا.
أَنْتِ صَلَاةٌ فِي مِحْرَابِ غَيْرِي… وَأَنَا دُعَاءٌ تَاهَ عَنْ مَوْعِدِ الْإِجَابَةِ.
مَا تَجَاوَزْنَا حَدًّا… وَلَا هَمَسْنَا بِنِيَّةٍ سَوْءٍ… لَكِنَّنَا الْتَقَيْنَا فِي الْمَشْهَدِ الْخَطَأِ مِنْ رِوَايَةِ الْعُمْرِ.
هَرَبْنَا مَرَّةً… فَعَادَتْ مِرْآتِي عَمْيَاءَ… وَعُدْتُ أَنَا أَتَعَثَّرُ فِي ظَلَامِي.
سَأَلْتِنِي: “أَحْبَبْتَنِي؟” فَابْتَلَعَنِي الصَّمْتُ… وَسَأَلْتُكِ: “أَحْبَبْتِنِي؟” فَقُلْتِ: “أَنْتَ زَلْزَلْتَ سَكِينَتِي”.
وَكِلَانَا يَعْلَمُ… لَا يُزَلْزِلُ السَّكِينَةَ إِلَّا حُبٌّ وُلِدَ يَتِيمَ التَّوْقِيتِ.
لَا أُرِيدُ مِنْكِ سُقُوطًا… وَلَا أَرْضَى لَكِ انْكِسَارًا… كُلَّ مَا أَرْجُوهُ: أَنَّ تَبْقَيْ مِرْآتِي… وَلَوْ عَلَّقْتِنِي عَلَى جِدَارِ الذِّكْرَى… فَأَنَا بِدُونِ نُورِكِ… أَعُودُ طِفْلًا تَائِهًا بَيْنَ مَرَايَا تَلْتَهِمُ الْأَطْفَالَ.
لَكِنَّ قَلْبِي يَسْأَلُنِي كُلَّ لَيْلَةٍ: أَيُعْقَلُ أَنْ أَكُونَ أَنَا السَّبَبَ فِي شَرْخِ مِرْآتِي؟ أَأَكُونُ سَبَ فُقْدَانِهَا الثِّقَةَ فِي كُلِّ “أُحِبُّكِ” سَتُقَالُ لَهَا بَعْدِي؟
أَنَا الَّذِي أَقْسَمْتُ أَلَّا أَمَسَّكِ بِسُوءٍ… وَأَنْتِ الَّتِي أَعْرِفُ طُهْرَ ثَوْبِكِ.
فَلَا أُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ تَقِفِينَ فِيهِ أَمَامِي بَاكِيَةً وَتَصْرُخِينَ: _”لِمَاذَا خَطَفْتَ شَمْسِي مِنْ سَمَائِي؟
لِمَاذَا سَرَقْتَ ضِحْكَتِي مِنْ شَفَتَيَّ؟
لِمَاذَا جَعَلْتَنِي أَخَافُ مِنَ الْمَرَايَا؟”_
أُرِيدُكِ آمِنَةً… وَلَوْ كَانَ أَمَانُكِ فِي مَنْفَايَ. إِنْ كَانَ فَرَحُكِ أَنْ أَغِيبَ. فَسَأُعَلِّمُ الْغِيَابَ كَيْفَ يُحِبُّكِ بِاسْمِي.
أُرِيدُ أَنْ أَصُونَ مِرْآتِي… لَكِنْ دُلِّينِي:
كَيْفَ يُصَانُ الضَّوْءُ إِذَا كَانَ الْقُرْبُ يُطْفِئُهُ… وَالْبُعْدُ يَقْتُلُهُ؟
فَيَا مِرْآتِي… إِنْ كَانَ قَدَرِي أَنْ أَكُونَ حَارِسَكِ مِنْ بَعِيدٍ، فَسَأَكُونُ.
وَإِنْ كَانَ حُبِّي لَكِ هُوَ أَنْ أَدْعُوَ لَكِ فِي سُجُودِي دُونَ أَنْ تَسْمَعِينِي. فَسَأَفْعَلُ. لِأَنَّكِ عِنْدِي أَغْلَى مِنَ الْوَصْلِ… وَأَطْهَرُ مِنَ الْحُلْمِ.
خَاتِمَةٌ: وَصِيَّةُ الْمِرْآةِ
فَيَا قَارِئِي… إِذَا قَدَّرَ اللهُ لَكَ أَنْ تَقِفَ يَوْمًا أَمَامَ مِرْآةٍ لَا تَكْسِرُكَ.. بَلْ تُرَمِّمُكَ… فَاعْلَمْ أَنَّكَ أَمَامَ اخْتِبَارٍ لَا أَمَامَ غَنِيمَةٍ.
لَا تَسْأَلِ الْمِرْآةَ: “لِمَاذَا تَأَخَّرْتِ؟”
بَلْ اسْأَلْ نَفْسَكَ: “هَلْ أَسْتَحِقُّ أَنْ أَقِفَ أَمَامَهَا دُونَ أَنْ أُشَوِّهَ صَفَاءَهَا؟”
إِنْ كَانَ الْقُرْبُ مِنْهَا يُورِثُهَا خَدْشًا… فَاجْعَلْ مِنَ الْبُعْدِ قُرْبَانًا… وَإِنْ كَانَ صَمْتُكَ يَحْفَظُ بَرِيقَهَا… فَلْيَكُنِ الصَّمْتُ هُوَ أَفْصَحَ قَصَائِدِكَ.
لَا تُجْبِرِ الْمِرْآةَ عَلَى الاخْتِيَارِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ سَلَامِهَا. بَلْ ضَعِ الْخِيَارَ كُلَّهُ بَيْنَ يَدَيْهَا، ثُمَّ انْسَحِبْ إِلَى الظِّلِّ.
فَإِنْ عَادَتْ تَبْحَثُ عَنْكَ فِي الظِّلِّ… فَاعْلَمْ أَنَّكَ وَطَنُهَا.
وَإِنْ أَكْمَلَتْ طَرِيقَهَا فِي الضَّوْءِ… فَادْعُ لَهَا، وَكُنْ أَنْتَ الظِّلَّ الَّذِي حَمَاهَا مِنَ الشَّمْسِ.
الْحُبُّ الصَّادِقُ يَا سَادَةُ لَيْسَ أَنْ تَمْتَلِكَ… الْحُبُّ الصَّادِقُ أَنْ تَقُولَ لِمَنْ تُحِبُّ: “حُرِّيَّتُكِ عِنْدِي أَغْلَى مِنْ قُرْبِكِ”.
فَمَنْ فَهِمَ… فَقَدْ نَجَا. وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ… فَلْيَعُدْ لِيَقِفَ أَمَامَ الْمَرَايَا الْقَاسِيَةِ. حَتَّى يَتَعَلَّمَ.



