بَيْنَ مُورٍ وَفَاوُسْتس: فِقْهُ الرُّوحِ الَّتِي لَا تُوَقِّعُ

بقلم المفكر المصري
د. طارق رضوان جمعة

مُقَدِّمَةٌ: فِي فِقْهِ التَّوْقِيعِ

سبقَ لي أن خُضتُ في دراساتٍ سابقةٍ ميدانَ الأدبِ المقارن، متتبعًا الخيطَ الإنسانيَّ الواحدَ الذي يربطُ بين أرواحِ الحضاراتِ مهما تباعدتْ لغاتُها وعقائدُها.
ويأتي هذا المقالُ استكمالًا لتلك المسيرة؛ لا بوصفه مقارنةً بين نصوصٍ فحسب، بل بحثًا عن السؤالِ الأبديِّ نفسه: متى يبيعُ الإنسانُ روحَه؟ ومتى يرفضُ التوقيع؟

في هذا المقال، أُحاولُ أن أجمعَ بين: التراجيديا المسيحية في تُومَاس مُور وفاوُسْتس، والشهادة الإسلامية في الحسين بن علي،
والتصوف الوجودي في الحلاج،
وكرامة المثقف في ابن زيدون،
لأربطَ الجميعَ بفكرةٍ واحدة:
“التوقيع بوصفه بيعًا للروح.”

الْمَحْوَرُ الْأَوَّلُ: مُورُ وَالْحُسَيْن، رَفْضُ الْبَيْعَةِ.

حين طلب هنري الثامن من تُومَاس مُور أن يوقّعَ اعترافًا بسلطته الدينية، رفضَ الرجلُ أن يبيعَ ضميرَهُ مقابلَ القصرِ والنجاة، وقال:
“What does it profit a man if he gains the whole world and loses his own soul?”
وقبلَهُ بقرونٍ، وقفَ الحسينُ بن علي أمامَ السلطةِ نفسها وإن اختلفت الأسماء، فكان ردُّه:
«هيهاتَ مِنَّا الذِّلَّة». كان العرضُ واحدًا: مُلْكٌ في مقابلِ ضمير.
لكنَّ الحسينَ ومور أدركا أنَّ بعضَ التواقيعِ لا تُكتَبُ بالحبر… بل تُكتَبُ على الروحِ نفسها.

الْمَحْوَرُ الثَّانِي: ابْنُ زَيْدُونَ، حِينَ يَرْفُضُ الْقَلَمُ النِّفَاقَ.

لم يكنِ السجنُ هو ما أرعبَ ابنَ زيدون، بل أن يتحوّلَ شعرُه إلى وثيقةِ تزلُّف. أرادوا منه قصيدةَ مديحٍ تفتحُ له أبوابَ القصر، لكنه اختارَ أن يبقى شاعرًا لا موظفًا.
وهنا يلتقي بابن مور. فِي “الْوَزِيرِ الْعَاشِقِ”، يَقُولُ خُصُومُهُ: “اُمْدَحِ الْمَلِكَ بِقَصِيدَةٍ… وَنُخْرِجُكَ مِنَ السِّجْنِ إِلَى الْقَصْرِ”. فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِشِعْرٍ فِي الْحُبِّ لَا فِي الْمَدْحِ: «مَا ضَرَّنِي أَدَبِي وَحُسْنُ شَمَائِلِي … كَيْفَ اللَّجَاجَةُ فِي هَوَاكَ تَضِيرُ؟»
فالأولُ رفضَ التوقيعَ على ورقة،
والثاني رفضَ التوقيعَ على قصيدة. كلاهما فهمَ أنَّ القلمَ إذا خانَ مرّةً… فقدَ شرفَه إلى الأبد.

الْمَحْوَرُ الثَّالِثُ: الْحَلَّاج، فَاوُسْتُس الْمَعْكُوسُ

وبغضِّ النظرِ عن الجدلِ العقديِّ حولَ تجربةِ الحلاج، فإنَّ رمزيتهُ الإنسانيةَ تظلُّ مدهشة.
فاوستس باعَ روحَهُ ليصلَ إلى الحقيقة، فانتهى فارغًا خائفًا.
أما الحلاجُ فأعطى نفسَه للحقيقة، فصار أكثرَ حريةً وهو على الخشبة. الأولُ وقّعَ عقدًا مع الشيطان، والثاني رفضَ أن يوقّعَ عقدَ الصمت.

فِي مَسْرَحِيَّةِ مَارْلُو، آخِرُ سَاعَةٍ فِي حَيَاةِ فَاوُسْتس هِيَ أَطْوَلُ سَاعَةٍ فِي الْأَدَبِ. يَصْرُخُ: “O soul, be changed into little water drops, and fall into the ocean, ne’er be found!” «يَا رُوحِي، تَحَوَّلِي إِلَى قَطَرَاتِ مَاءٍ صَغِيرَةٍ، وَاسْقُطِي فِي الْمُحِيطِ، فَلَا يُعْثَرُ عَلَيْكِ أَبَداً!». إِنَّهَا سَاعَةٌ ثَقِيلَةٌ، لِأَنَّهَا مُحَمَّلَةٌ بِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنَ الْعُقُودِ الْمُوَقَّعَةِ.

أَمَّا آخِرُ سَاعَةٍ فِي حَيَاةِ تُومَاس مُور، فَهِيَ أَخَفُّ سَاعَةٍ. يَقُولُ لِجَلَّادِهِ مُبْتَسِماً: “Pluck up thy spirits, man, and be not afraid to do thine office” «تَشَجَّعْ يَا رَجُلُ، وَلَا تَخَفْ مِنْ أَدَاءِ وَظِيفَتِكَ». وَآخِرُ كَلِمَاتِهِ: “I die the King’s good servant, but God’s first” «إِنِّي أَمُوتُ خَادِماً صَالِحاً لِلْمَلِكِ، وَلَكِنَّ اللهَ أَوَّلاً».

إِنَّ التَّارِيخَ يُعَلِّمُنَا قَانُوناً بَسِيطاً: مَنْ يُوَقِّعُ كَثِيراً… يَخَافُ مِنْ سَاعَتِهِ الْأَخِيرَةِ. وَمَنْ يَرْفُضُ التَّوْقِيعَ… سَاعَتُهُ الْأَخِيرَةُ هِيَ عِيدُهُ

خَاتِمَةٌ: الشَّيْطَانُ الَّذِي يَدْفَعُ بِالتَّقْسِيطِ

الشيطانُ الحديثُ لا يأتي بقرنين.
إنه يأتيكَ في صورةِ مصلحةٍ صغيرة، أو خوفٍ مشروع، أو مجاملةٍ عابرة. إنه لا يطلبُ روحكَ دفعةً واحدة… بل بالتقسيط: كذبةٌ صغيرة، ثم تنازلٌ صغير، حتى تستيقظَ يومًا فلا تجدُ نفسكَ كاملة.
لقد رفضَ مورُ والحسينُ وابنُ زيدون والحلاجُ هذا التقسيط.
أدركوا أنَّ الروحَ لا تُباعُ أجزاءً.

وربما لم يكن السؤالُ يومًا: هل بعتَ روحكَ؟
بل: كم مرّةً بعتَ أجزاءً صغيرةً منها… ثم أقنعتَ نفسكَ أنك ما زلتَ كاملًا؟
تُومَاس مُور وَالْحُسَيْنُ وَابْنُ زَيْدُونَ رَفَضُوا التَّقْسِيطَ. قَالُوا: الرُّوحُ لَا تُبَاعُ تَجْزِئَةً. لِذَلِكَ كَانَ مُورُ “رَجُلاً لِكُلِّ الْعُصُورِ”… لِأَنَّ كُلَّ الْعُصُورِ فِيهَا “فَاوُسْتس”، وَلَكِنْ نَادِراً مَا تَجِدُ “مُوراً”.

وَالسُّؤَالُ لَكَ أَنْتَ: عَقْدُكَ مَعَ الشَّيْطَانِ… كَاشْ أَمْ تَقْسِيط؟ وَكَمْ تَبَقَّى مِنْ رُوحِكَ لَمْ تُوَقِّعْ عَلَيْهِ بَعْدُ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى