بـ “سجل تجاري” .. هل انتهى زمن الميثاق الغليظ ؟

أحمديات
مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها.
في الوقت الذي ننتظر فيه تشريعات تلم شمل الأسرة وتُرسخ دعائم الاستقرار، يبدو أننا على أعتاب تحول “درامي” يحول “عش الزوجية” من سكن ومودة إلى “شركة مساهمة مغلقة”. قانون الأحوال الشخصية الجديد، بملامحه الحالية، لا يضع بنوداً للحياة، بل يضع “خطة تصفية” مسبقة، يسعى فيها كل طرف لتأمين غنائمه قبل أن يبدأ النشاط أصلاً!
استثمار.. لا استقرار!
عزيزي الشاب “المستثمر” المقبل على الزواج، لم يعد الأمر يتطلب “دبلة ومحبس” فقط؛ بل عليك التوجه فوراً لهيئة الاستثمار لاستخراج سجل تجاري وبطاقة ضريبية، وتدوين نشاطك بوضوح “قادم على زواج”.
وبدلاً من جلسات “التعارف” التقليدية، استعد لـ “معاينة البضاعة” واصطحاب خبير مثمن لمراجعة عقد التوريد الذي يضاهي في تعقيده عقود شراء الطائرات. عقدٌ يتجاوز الخمسين صفحة، مليء بالقيود والاشتراطات، ومن أمتع بنوده التي تثير الضحك المر: “يحق للطرف الثاني الفسخ بعد 6 أشهر”. وهنا نسأل بالمنطق الساخر: ما الفرق بين هذا “الترجيع” وبين الخلع؟ هل هي فترة “ضمان” أم تجربة استهلاكية لروح إنسانية؟
الزواج بـ تصريح مرور
تخيلوا المشهد: يُجبر الرجل على التوقيع بعدم التعدد، أو يكتب أنه سيفعل ولكن بشرط “توقيع الطرف الثاني بالموافقة”! هل نطلب منها إذناً للمشاعر أم “ختم نسر” على نبضات القلب؟ إن رفضت، بطل العقد، وكأن المودة لا تقوم إلا بـ “تصريح مرور” إداري. لقد وصلنا لمرحلة نتفق فيها على “الطلاق والفسخ” قبل أن نجلس لنقرأ قوله تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
(سورة الروم – 21).
فخ الشيطان “بلاها حلال”
عندما يتعقد “الحلال” ويصبح محاصراً برعب القوانين وتكاليفها، يبتسم الشيطان في الزاوية ويهمس للشباب: “لماذا تربطون أعناقكم بعقود؟ كونوا كالأجانب.. أصحاب بلا التزامات!”.
هذا هو النجاح الحقيقي للشيطان؛ أن يجرجر المجتمع نحو “الفزع” من المسؤولية، ليبعدنا عن الفطرة وعن الميثاق الغليظ، ويوقع الفرقة التي وصفها القرآن الكريم في قوله:
{…فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ…} (سورة البقرة – 102).
غياب “كبير العيلة”
الأزمة ليست في الورق، بل في مجتمع “تفكك مرة واحدة”. غاب “الكبير” الذي تنهي كلمته الخلافات، وغابت “الأسرة” التي تحتضن العثرات، وحل محلهم “قانون” جاف يحكم بالعاطفة الميتة. الفرحة بانتزاع “حقوق قانونية” وهمية هي في الحقيقة خسارة كبرى لروح المودة والسكينة.
رسالة أخيرة للشباب والفتيات
قبل أن تهرولوا وراء بنود العقود، استثمروا في “بند العشرة”:
الأصول والتربية: البيت الذي يبنى على “قال القانون” ينهدم عند أول عاصفة، والبيت الذي يبنى على “المودة والرحمة” يظل صامداً للأبد.
الضمير قبل المحضر: الحقوق المادية تضمنها الأوراق، لكن السكينة والراحة تضمنها “الضمائر”.
لا تتركوا الشيطان يخدعكم بشعار “الضمانات” لتخسروا “الإنسان”. ارجعوا للأصول، ارجعوا للمودة، فالزواج حياة.. وليس “سجلاً تجارياً”.
تحياتى ومن عندياتى.



