أوبريت “السلام البارد” أينشتاين وميليفا

بقلم الأديب المصري د. طارق رضوان جمعة

[الستارة مغلقة. صوت تكتكة ساعة ، ثم صوت قلم ينهش ورق. إضاءة بقعة ضوء واحدة على ظرف مغلق بالشمع الأحمر على الأرض]

صوت الراوي – همس من العتمة:
في ليلةٍ من عام ١٩١٤.. وُضعت على هذا الباب وثيقة.
لم تكن إعلان حرب.. بل كانت “شروط سلام”. سلامٌ من نوعٍ خاص.. سلامٌ باردٌ كالجليد، دقيقٌ كالمعادلة.
[تعلو نغمة كمان متوترة] هو: رجلٌ أراد أن يخلق الكون في صمت.
هي: امرأةٌ أرادت أن تعيش فيه بدفء.
وبينهما.. ورقةٌ كتبها العقل، ومزقها القلب.
[صمت.. ثم] نحن لا نحاكم الليلة أحداً. نحن نفتح الظرف.. ونقرأ ما لم يُقال.
[الستارة تُفتح ببطء على مشهد المكتب. البقعة تنقسم: جليد أزرق على المكتب، دفء برتقالي باهت على الباب]

المشهد الأول: لائحة الشروط – المكتب
[أينشتاين لا يتكلم.. يكتب. صوته نسمعه في عقله. الكورال يقرأ الورقة بصوت محايد كأنه قانون]

الكورال – بصوت رجال بارد:
أولاً: عليكِ تنظيف مكتبي.. ولا تضعي شيئاً عليه.
ثانياً: تعدين الطعام ثلاثاً.. وتتركينه عند الباب.
ثالثاً: لا تجلسي معي..ولا تخاطبيني إلا إذا سُئلتِ.

أينشتاين – يهمس لنفسه وهو يكتب، مقام البياتي: يا رب.. سامحني. لستُ جباراً.. أنا غريق. رأسي يغلي بالكون.. وقلبها يطلب بيت.
أريد الهدوء.. ولو كان شكل القبر.
فالعواصف في صدري.. لا تحتمل عاصفةً أخرى. سلامي البارد.. هو رحمةٌ بها قبل أن أكون أنا.

الكورال – يتحول لهمس نسائي متوجع: سلامٌ بارد.. يا له من حكم! بيتٌ من ورق.. وقلبٌ من عدم!

 

المشهد الثاني: الرسالة التي لم تُرسل – غرفة ميليفا
[ميليفا تمسك بنفس الورقة، لكنها مجعدة من كثرة البكاء عليها. تضيئها شمعة]

ميليفا – تخاطب الورقة، مقام الحجاز الكرد:
يا ورقة… يا سجانتي.
هل تعرفين من أنا؟
أنا من راجع “النسبية” قبل أن يعرفها العالم.
أنا اليد التي سهرت.. والعين التي دققت.
أنا “المعادلة الصامتة” خلف كل معادلاته.
فكيف تطلب مني اليوم.. أن أصبح صفراً على شمال حياته؟!

[تنهار على كرسي. الموسيقى تصمت إلا نبض قلب] لم أطلب نجومه.. يا الله.
طلبتُ كوب شايٍ نشربه معاً.
طلبتُ كلمة “أحبك” لا تحتاج برهاناً.
إن كان صمت القبور هو مهر العبقرية…
فادفني إذن.. ولا تسمِّ هذا زواجاً!

الكورال – يصرخ:
لا تقتلوا النهر… بحجة الوحل!
لا تدفنوا الشمس.. خوفاً من الظل!

 

المشهد الثالث المضاف: الانفجار – نقطة اللا عودة [يكسر حاجز الصوت. لأول مرة يتواجهان. الإضاءة حمراء متقطعة. الأوركسترا تضرب]

أينشتاين – يصرخ منهاراً:
اخرسي! اخرسي يا ميليفا!
الكون كله في رأسي.. يتوسلني أن أتمه!
وأنتِ تحدثينني عن العشاء؟!
أنا لا أملك قلبين.. قلبٌ لكِ وقلبٌ للعلم!

ميليفا – تصرخ بكل قهر السنين:
وأنا لا أملك عمرين!
عمرٌ أنتظرك فيه.. وعمرٌ أعيشه!
لقد سرقتَ عمري يا ألبرت..
سرقتَه باسم العلم، وتركتني جثةً تحفظ أوراقك!

[صمت قاتل. يسقط القلم من يده. تسقط الورقة من يدها. الموسيقى تتلاشى]

أينشتاين – همس مكسور، مقام الصبا: كنتِ.. ظلي ..حين تاه الدرب.
ميليفا – بدمعة، نفس المقام:
وكنتَ.. سجني ..المُذهّب.

 

المشهد الرابع: الدويتو الأخير – الرماد [يجلسان متباعدين. لا ينظران لبعض. الإضاءة تعود زرقاء وبرتقالية لكن بينهما خط رمادي]

سوا – كل واحد في عالمه، مقام النهاوند: إن كان الحب صار معادلةً خاسرة.. فلنفترق.. لا نهدم الفطرة.
لا سلام بارد.. يقتلنا بطيئاً.
ولا حرب ساخنة.. تحرق ما بقى.

أينشتاين: سأمنحكِ حريتكِ.. فهي أصدق من شروطي.

ميليفا: وسأمنحكَ صمتك.. فهو أثمن من دموعي.

[الكورال والاثنين – الستارة تُغلق ببطء شديد] فالشعر يحيا.. حين يبكي من قرأ.
والبيت يموت.. حين يصمت الاثنان معاً.
والسلام.. ليس غياب الحرب.
السلام.. أن نعترف أننا.. احترقنا.
“يعنى من الآخر علم همك المشى والا هيفضل لازق لك”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى