أوبريت: كهنة الذاكرة في بيوت من زجاج

بقلم المفكر والأديب المصري د. طارق رضوان جمعة

 

المشهد الأول: ستارة سوداء | أصوات فقط كورال من الظلام

اسمعوا…
صوت فرشاةٍ تجرحُ القماشَ في الطَريقْ … وصوتُ بابٍ يُغلقُ…وصوتُ غليونٍ يَضيقْ
وصوتُ عجينٍ يُعجنُ… وصوتُ حجرٍ لا يَليقْ مكتوبٌ عليهِ: “إن ذهبتَ مُباشرةً… فلن تَفيقْ”

الكورال:
يُسمّونَ الإبداعَ نُوراً في العُيُونِ يَليقْ
ونسيُوا أنّ النُورَ يُولَدُ من جُرحٍ عَميقْ

المشهد الثاني: دخول الخمسة القدامى | إضاءة حمراء داكنة

بيكاسو – بفرشاة ملطخة:
هذا يرسُمُ الإلهةَ ثم يَدوسُها طَريقْ
سبعُ نساءٍ كنّ لوحاتي… وكنتُ فيهنّ الحَريقْ

صوت من الجمهور – الشباك الأول: الاعتراض
امرأة تقف: “بس يا سيدي… وماذا لو اخترتُ أنا أن أكون لوحة؟”
الكورال يهمس: “ومن سألكِ؟”

لوفيفر – بيدين متسختين دقيق:
وذاكَ يَخبِزُ الحقيقةَ عُرياً بلا رَفيقْ
ماتَ الأهلُ في روما… فخبزتُ الجسدَ تَصديقْ

دومييه – بعين معصوبتين:
وثالثٌ أعمَى يرَى القُبحَ في وَجهِ الشَقيقْ
رسمتُ الملكَ على مرحاضٍ.. فسجَنوني في التَضييقْ

آخنباخ – في عاصفة:
ورابعٌ رفَضَ التِيجانَ وعاشَ في الحَريقْ
قالوا لي: “كُن نبيلاً.. فاخترتُ الموجَ والغَريقْ

فاسنيتسوف – بثياب كاهن:
وخامسٌ هَربَ من المِحرابِ للأسطورةِ يَليقْ
فصارَ كاهنَ الذِكرَى.. وراوي المُستحيلِ الدَقيقْ

الكورال:
يأخُذُونَ من الأرواحِ قُرباناً لكلِ تَصفيقْ
ويبيعُونَ الصَرخاتِ لوحاتٍ.. بثمنٍ يَليقْ

صوت: فإن سألتَ عن الثمنِ؟
الكورال: قُل: سبعُ نِساءٍ في الطَريقْ
اثنتانِ في التُرابِ، واثنتانِ في الجُنونِ تَضيقْ
وإن سألتَ عن المَجدِ؟
الكورال: قُل: لوحاتٌ في المَعارضِ تَليقْ
وخلفَ كلِ لَوحةٍ… قلبٌ مكسورٌ لا يَفيقْ

إظلام

المشهد الثالث: الاستراحة البيضاء | الشباك الثاني
إضاءة بيضاء كاملة. صمت ٢٠ ثانية. صوت فرشاة فقط

صوت هامس من السماعة:
“استراحة.
الآن دورك.
ما الجرح الذي في بيتك الزجاجي؟
وبأي ريشٍ سترسمه؟”

إظلام

المشهد الرابع: إضاءة زرقاء | شاشات | الخمسة المعاصرون

الكورال:
قانونُ الشاشةِ والجَرحِ في زمنٍ يَليقْ
صارَ الألمُ سِلعةً.. تُباعُ في كُلِ طَريقْ

مارينا – وسط ٧٢ أداة:
هذي تَضعُ السِكينَ على جَسدِها.. وتُصَفيقْ
وتقولُ: “افعلُوا بي ما شِئتُم” في مَشهدٍ عَميقْ

بانكسي – بقناع:
وذاكَ يرسُمُ على الجِدارِ وهو هارِبٌ مِن تَضييقْ
يَبيعُ الضِحكةَ المُرةَ.. ويَشتَري بها التَعليقْ

تريسي إمين – تفرش سريراً:
وثالثةٌ تَفرِشُ سَريرَ الحُزنِ.. بلا تَوفيقْ
وتُسمّي الخَرابَ فَناً.. والفَضيحةَ تَوثيقْ

كاني ويست – يحرق تاجاً:
ورابعٌ حَرقَ التِيجانَ على مَسرحِ التَصفيقْ
يُريدُ أن يَكونَ إلهاً.. فصارَ أُسطورةَ الحَريقْ

ميازاكي – يرسم سحابة:
وخامسٌ هَربَ من الآلةِ إلى الغابةِ يَليقْ
يرسُمُ الأرواحَ للشَجَرِ.. ويُعيدُ للطُفولةِ بَريقْ

الكورال:
يأخُذُونَ من أنفُسِهِم قُرباناً لكلِ تَصفيقْ
ويُسمّونَ الانكِسارَ إبداعاً.. وهذا هو التَحقيقْ

صوت: فإن سألتَ: مَن الفَنانُ اليَوم؟
الكورال: قُل: مَن نَزفَ ولا يَضيقْ
ومَن حَولَ دَمعَتِهِ لوحةً.. وإن بَكى.. لا يَريقْ

المشهد الخامس والأخير: اجتماع العشرة + الجمهور | ضوء واحد | الشباك الثالث

الخمسة القدامى والخمسة الجدد يقفون في دائرة. الجمهور مضاء خافت

بيكاسو لمارينا: أنتِ الفرشاةُ التي جرحتِ نفسَكِ
مارينا لبيكاسو: وأنت الإلهُ الذي أكلَ معبوداتِه

لوفيفر لتريسي: كنتُ أخبزُ العُريَ خوفاً
تريسي للوفيفر: وأنا فرشتُ السريرَ اعترافاً

دومييه لبانكسي: كنتُ أصرخُ بالحجرِ
بانكسي لدومييه: وأنا أصرخُ بالسبراي

آخنباخ لكاني: رفضتُ لقباً
كاني لآخنباخ: وأنا رفضتُ اسماً

فاسنيتسوف لميازاكي: هربتُ للأسطورة
ميازاكي لفاسنيتسوف: وأنا أعدتُ الأسطورة

الكورال – يلتفت للجمهور مباشرة:
من جُرحٍ إلى جُرحٍ.. ومن ريشٍ إلى ريشْ
نفسُ القانونِ القديمِ.. في ثوبٍ جديدٍ يَعيشْ

صمت
الكورال:
والآن.. أيها الجالسونَ في بيوتٍ من زُجاجْ
من منكم يجرؤُ أن يكسِرَ زُجاجهُ..
ليُصبحَ كاهنَ ذاكرتهِ.. وفناناً؟

إظلام تام. صوت فرشاة واحدة. ثم صمت. انتهى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى