بائعة الكبريت تموت بردًا في وطنٍ دافئ

بقلم: نجمة عمر علي
في وطنٍ دافئ… تموت بردًا..
حين تغادر غرفتك الصغيرة ستنسى أن تطفئ الشمعة التي أشعلتها بولاعةٍ ورثتها عن جارك..
تخفيها في جيب معطفك الأزرق…
معاطف سنوات الحرب لا تقينا البرد..
جيوبها ممزقة، فيقع منها فتات الخبز ليلتقطه الطائر الجريح، وكنت تظن أنك ترسم لروحك طريقًا للعودة من شارع الرشيد..
هيهات… هيهات… ربك بالعباد بصير..
كنت تنتظر أن تكبر لتمتلك غليونًا يشبه الذي يضعه جدك الغاضب فوق الطاولة الخشبية العتيقة..
بجانب خربشات فارغة لا تؤذي صدر الغريب…
ما باع جدك البيت والأرض، وما خان..
ترك المفتاح أمانة عند حارس الغابة…
احترقت الغابة، ومات الحارس، وضاع المفتاح وسط كثبان الرماد…
حين هطل المطر غزيرًا غرقت أعواد الثقاب..
تسأل بائعة الكبريت عن وقت الصباح، فالبرد شديد على الرصيف…
وتجيبك مرتجفة أن الصباح ما زال بعيدًا…
وسيول الرماد حملت معها مفتاح الدار، ولكن أناملها متجمدة، والقفل مكسور…
ويتلوّن الصوت بالدموع والصمت…
وتخطفها رعشة الموت فتبكي…
وتنسحب حاملًا كفنًا وغصن زيتون…
تحمل نور الفجر على كتفك وتنسى إطفاء الشمعة…
وتبحث جاهدًا عن بائعة الكبريت وكأنك تخاف انطفاءها…
فلا تجد عود ثقاب ينقذك من غربتك مع زمنك…
كل الشموع احترقت وأذابت قصائد الوطن والحنين…
أنين يغلبك، ونار تتأجج غصبًا، وصرخة كالجمر في حلقك…
كل أعواد الثقاب نامت حزينة في ليلٍ بليل…
تترك باب الغرفة مفتوحًا للعودة القريبة… فأنت لا تثق في الزمن…
لن تُغلق الباب بمفتاح يشبه الذي في فلسطين…
فالحلم الفلكي الساكن هناك…
بين أضلع خيمة باردة وأضلعك الدافئة…
مختلف ومخيف…
هناك نُصبت خيام وسط أرضٍ مهشمة…
تمشي وتكتب بلغة مشتعلة…
صوت احتراق الهواء يشبه صوت أوراق الخريف…
وربما صوت قرقعة أبواب غرفة مظلمة، أو حكاية حب قديمة، وصرير الروح…
يتغافل بين الحقول فيهرب الناس زيادة سبات، فكن صبورًا يا روح الروح…
ابنة الضوء لم تكن تخاف الظلام عند الخسوف والكسوف وانقطاع شعاع الشمس…
يتمزق الوقت ويرممه شعاع الضوء…
بلمسة من يدها المرتعشة تبني قصرًا من الرمل، وتلوّن حدود الزمن بلون رمادي…
تجتاز الحدود، ودجلة والنيل، لغزة…
تعبر روحها وتفرغ جسدها وحمولة قلبها لتشعر بجناحٍ ينمو…
تمر الغيمة البيضاء صدفة أمام باب غرفتك الفارغة…
تخترق الجدار، وتجد الشمعة مشتعلة، وروحك المترنحة تعافر كي لا تنطفئ…
تلك كانت حكاية الغرفة المظلومة، وضوء النجمة، والشمعة المشتعلة،
والأحلام المنطفئة…
والأمل المنبثق من رماد الكحل العربي…
حكاية بائعة الكبريت في وطنٍ دافئ…
كانت هي تموت من البرد، والنار تنطفئ في أركان المقابر…
والحب يموت بين الجدران…
ابن البلد يقتل ابن الوطن…
رجل الوطن يسكن ضحكة طفل البلد…
في سوريا وجعي يمتد من قرطاج إلى القدس…



